11 يونيو 2006

 

القرارُ والجواب

(قصة قصيرة لم تنشر من قبل بقلم أمينة عبد العليم)


هَرْوَلْنا من السيارةِ إلى نادي الـﭽاز، ونحن نَزُمُّ المعاطفَ على أجسادِنا نرفَعُ قلانِسَها على رؤوسِنا كيلا تبْتلَّ بمطرِ الشتاءِ المتجمد. غطَّى الجليدُ كلَّ شيء: أسطحَ البيوتِ المائلة وأسقفَ السياراتِ والرصيف، وبدَّدَ لونُهُ الأبْيَضُ مع الغَيْمِ بهْجةَ الرُوحِ المُتَشَوِّقَةِ إلى الشمس.

مِنَ اللَّحْظةِ التي دخلنا فيها دفْءَ النادي، ألمّ بي شعورٌ بأنني تركتُ ورائي ما ألِفْتُهُ من إيقاع. سَيْطَرَ علىّ صَخَبُ المَكانِ وَأَفْقَدَنِي حَوَاسِّي. أَصْواتٌ عالِيَةٌ أَصَمَّتْنِي وأَفْقَدَتْنِي سَكينَتي وشعوري بالاتجاهات. مزيجٌ من رقَعِ طُبولٍ، وَنَفِيرِ سَاكْس، ونَشيجٍ لَحوحٍ من جيتار كهربائي. واجَهْتُ ظلامًا جَعَلني أتَحَسَّسُ طَريقي إلى الطاوِلَةِ بِخُطواتٍ مًضْطَرِبة. بَدَأَ يَحُلُّ فيَّ وَيتغلغلُ في مساربي وقعٌ آخرُ، قاومَهُ جسدي ورفضَ الانصياعَ لَهُ طويلا.

لم تَكُنْ إلا بقعةٌ واحدةٌ من ضوءٍ باهرٍ مُسلَّطةٌ علىّ مُطربةِ الـﭽاز السوداءِ قِبْلة الأَنْظار. مِن عِنْدها يَأْتِي الإِيقاع، وَمِنْ قَرارِ حنْجَرِتِها تَصْدُرُ آهاتٌ أَقْرَبُ إلى صرخاتٍ أَنينِيَّةٍ عَالية، نَشيجٌ عَذْبٌ مُرٌّ في آنٍ معًا، لا يَلْبَثُ أَنْ يؤولَ إلى صَمْتٍ مُحَبْب. صُراخٌ وَصَمْت ثُمَّ صُراخٌ وَصَمْت. مِقْدارٌ موزونٌ بِدِقَّةٍ مِن كِلِيْهِما. صَرَخاتٌ مُزَلْزِلَةٌ مُسَيْطِرةٌ تَحْمِلُ سنواتٍ من العذابِ والقَهْر، وَتَحْمِلُ أيضًا قُوةً ورفْضًا وَتُنْبِئُ بِثوْرَةٍ عَارِمَةٍ مُغَلَّفَةٍ بِصَبْرٍ مَشْحُون. يَتْبعُ الصَّرْخَةَ صَمْتٌ لَحْظِيٌ تَلْتَقِطُ فِيهِ المُطْرِبَةُ أَنْفاسَها وَقَدْ أَعْطَتْ كُلَّ ما لَدَيْها فِي الصَّرْخَةِ الماضِية، وَلمْ تُبقِ داخِلَها إلا الصَّمْت. لَكِنَّها، مِنْ مِقْدارِ النَّفَسِ الذي ادَّخَرَتْهُ لَحْظَةَ الصّمْت، وَقَدْرِ ارتفاعِ يديها في الهواء، وشدَّةِ إغْماضِ عَيْنيها اسْتِعْدادًا، تُنْبِئُكَ أَنّ الصَّرْخَةَ التالِيةَ سَتَكُونُ أًقْوى.

مَفْزُوعَةً بِقُوَّةِ ما سَيأَتِي، أَعْدَدْتُ حَواسِّي لاستقبالِها وأهَّبْتُ نَفْسي لإِحْكامِ السّيْطَرَةِ عَلَى جَسَدِي كَيْلا يَهْتَزَّ اِهْتِزازَ أَجْسادِ الحُضورِ الذينَ بَدَأْتُ أَتَبَيَّنُهُم في الظَّلام. لَكِنَّ الصَّرْخَةَ بَاغَتَتْ جَسَدِي كَالقَذيفة، مَزَّقَتْهُ، وأَفْقَدَتْنِي السَّيْطَرَةَ نهائيًا، فَتَرَكْتُ لَهُ العَنانَ لِيُشاركَ الحُضورَ إيقاعَ اهْتِزازاتِهِم الحَماسِيَّة.

لَمْ أَلْمَحْ أَحَدًا يَنْبُس بِصَوْت، بِما فِي ذَلِكَ الجالسون في البار آخرَ القاعةِ الذين أعْطَوْا ظُهُورَهم لِفتاةِ البار، واسْتداروا بأجْسادِهم إلى الوراءِ تِجاهَ بقعةِ الضَّوء: تَعَلَّقَت الأبْصارُ وهَوَت الأَفْئِدَةُ صَوْبَ بقعةِ الضوْءِ، وكأنَّها شُدَّتْ جَمِيعًا بِخُيوطٍ خَفِيَّةٍ تَجْتَمِعُ أَطْرافُها بَيْنَ يَدَيَّ الْمُطْرِبَةِ السَّمْراءِ التِّي رَاحَتْ تُنَغِّمُ آهاتِها القويَّةَ فِي دَفَقاتٍ مُتتابِعَةٍ هَذِهِ المَّرة. قُوَةٌ مَشوبَةٌ بِالحِزنِ صَاعِدَةٌ مِنْ أَعْمَاقِ الأَعْماق، هِي مِنْ قُوَةِ الطَّبيعةِ هِيَ مِنْ قُوَةِ الإِرادَةِ وَمِنْ قُوَةِ الصُّمود.

ما كانَتْ تَقُولُهُ قَبْلَ الآهات: "الماءُ والزيْتُ لا يمْتَزِجان". هل هي صرخةُ احتجاجٍ من امْرَأَةٍ أَحَبَّ رَجُلٌ أَبْيَضُ صَدْرَها الثَّرِيَّ وَرِدْفَيْها الوافِرَيْن؟ تمتعَ بِها بِقُوةٍ تُعادِلُ قُوَّتَها الإفريقية، ثُمَّ رَفَضَها بَعْدَ أَنْ خَبَتْ شَهْوَتُهُ؟ أَذَلَّها وَأَنِفَ أَنْ يَكونَ لَهُ مِنْها أَوْلادٌ بِأنفٍ أَفْطَسَ وَشَعْرِ كَثّ؟ هَمَسَ لِي صَدِيقٌ يَعْرِفُ المَكانَ جَيِّدًا أَنَّ مُؤَلِّفَ الكَلِمَاتِ حَاضِرٌ ذلِكَ المَساء، وأَشَارَ لِي إِلَيْه. نَظَرْتُ إِلَيْهِ مِنْ خِلالِ سحاباتِ الدُّخانِ الصّادِرِ مِن سِيجارِتِهِ. كَانَ مُلَوَّنًا، يَجْلِسُ وَحِيدًا وَيَرْتَدِي بَدْلَةً بُرتُقاليةً داكِنة ونَظَّارَةً سَوْدَاء. تَعَجَّبْتُ مِنْ مَنْظِرِهِ، وَبَدا لِي في رُكْنِهِ البَعِيدِ كَجُزْءٍ مِنْ مَشْهَدٍ هوليوديّ.

بعدَ الآهاتِ، عَادتْ المطربةُ إلى "الماء والزيت لا يمْتَزِجان". قالتْها مائةَ مرَّةٍ، لَكّنْ بِتتابُعٍ سريعٍ. هلْوساتٌ محمومةٌ، تبدأُ من القَرارِ ثُمَّ تَصْعَدُ لِتَصِلَ إِلى ذِِرْوةٍ رَفِيعَةٍ حَادّّة. تَقُولُها مرّةً مِن القرارِ وَمرّةً أَقْربَ إلى السُوبْرانو، وكأنَّها تُرِيدُ أَنْ تُجَسِّدَ بِصَوْتِها الازْدِواجِيّةَ المُسْتَحِيلةَ بَيْنَ الزَّيْتْ والمَاء، بِالمُراوحةِ بيْن القَرارِ والجَواب.

تَأَمَّلْتُ وُجوهَ الجَالِسينَ حَوْلِي: كَانَ أَغْلَبُهُم مِنَ الْمُلَوَّنِينَ وَالسُّود. أَخَذَتْ أَجْسَادُهُم، بِدورِها، وَكَأَنَّما سَرتْ إِلَيْها الحُمَّى، تَهْتَزُّ اهتزازاتٍ أَقٍرَبَ إِلى الزَّار. تَعْلو الموسيقى وَيُسرعُ الإيقاع. يَبْدأون في النهوضِ، وكَأَنَّهُم يُمارِسونَ طَقْسًا جَماعِيًّا، الإِيقاعُ فِيهِ هُوَ السَّيِّد، ولا مَفَرَّ مِنْ سَطْوَتِهِ. يُرْسِلُ إِشاراتِهِ إلى الوَعْيِ وما تَحْتَ الوَعْي، فَتُطِيعُهُ الأَوْصَالُ وَالأَكْتافُ والأَرْدافُ والأَقْدامُ، يَحِلُّ بِها وِيِسْكُنُها كَالشُّعاعِ تَتَخَلّلُهُ ذَرّاتُ الغُبار. يَنْضَمُّونَ مَعًا كَمَوْجَةٍ دَافِقةٍ يَرْقصونَ بارْتِجالٍ وتِلْقائِيَّةٍ رَقْصَةً تَجيشُ بِالْحَياةِ، لَكِنَّها لا تَخْرُجُ أَبَدًا عَنْ حُكْمِ ضَرَبَاتِ الإيقاع. تَتصاعَدُ الموسيقى وَتُسْرِع، وَمَعْها تَزْدَادُ تَماوُجاتُ الأَجْسادِ عُنْفًا، وَتَمِيلُ الأَعْناقُ وَتَنْتَفِضُ الرُّؤوسُ يَمْنَةً ويُسْرة، وَقَدْ زاغَتْ العَيونُ وَلاذت العُقولُ بالمُطْلَقِ اللامَحْدودِ حَتّى لَحْظَةِ الصَّمْتِ الأَخير.

____________________
© 2006 أمينة عبد العليم
القصة منشورة بتصريح من المؤلفة.

التسميات: ,


تعليقات (4):

  Anonymous غير معرف قال/قالت:

قصة جميلة

13/6/06 11:17
 
  Blogger سامية قال/قالت:

أحببت موسيقى الجاز منذ بدأت أن أستمع إلى الموسيقى الغربية وانبهرت بأصوات المطربات السود وقدرتهن على التحكم في أصواتهن

لم أتخيل أبدا -قبل قراءة هذه القصة- أن هذا الصوت وهذا الأسلوب المعقد والمركب في الغناء الغربي يمكن وصفه بلغة عربية رصينة وجميلة كاللغة التي استخدمتيها. إنه أمر بالغ الصعوبة! نجحت بهذه اللغة أن تصفي هذا الصوت ببراعة ورهافة جعلتني اعتقدت أنني أسمعه أثناء القراءة! ثم وجدتني أقرأ بصوت عال لكي أسمع الكلمات في أذني. حقا أبدعتي في هذا الوصف دون أن تقولي أي شيء مباشرة. شعرت من خلال القصة بالغربة والاندماج معا. الغربة في هذه البلدة الأمريكية البعيدة والتواصل مع تلك المغنية التي تحمل على كتفيها تاريخ من المقاومة والصمود

لذلك شعرت أن تفسيرك لجملة "الزيت والماء لا يمتزجان" هو النقطة الوحيدة التي أخرجتني من هذه الحالة من التخيل التي يكون فيها القارئ جزء من القصة... يتفاعل معها ويفسر تفاصيلها كيفما شاء. شعرت أنني لا أريد أن يشرح لي الراوي رؤيته عن سبب آلامها أو معنى الكلمات التي تغنيها. كنت عايزة "الزيت والماء لا يمتزجان" تفضل جملة غير واضحة وتحمل كل المعاني الممكنة

لكنني سرعان ما عدت إلى تلك الحالة في نفس المقطع عندما وصفت رؤيتك للكاتب الجالس وحده في ركن النادي.. فعدت إلى خيالي يحاول رسم حكاية هذا الكاتب ومشاعره وكلمات أغنيته وعلاقته بالمغنية..

وعندما وصلت إلى هلوساتها المحمومة وهي تردد الجملة بتتابع سريع كنت أنا أيضا معك في هذا النادي وحواسي كلها مستسلمة تماما لهذا الصوت وهذا الإيقاع وهذه الحالة وهذه الكلمات "حتى لحظة الصمت الأخير"

أشكرك على فسحة الحواس هذه بين القرار والجواب. هذا النوع من الكتابة يثري العقل والقلب معا

14/6/06 16:15
 
  Blogger السهروردى قال/قالت:

أَجْسَادُهُم، بِدورِها، وَكَأَنَّما سَرتْ إِلَيْها الحُمَّى، تَهْتَزُّ اهتزازاتٍ أَقٍرَبَ إِلى الزَّار. تَعْلو الموسيقى وَيُسرعُ الإيقاع. يَبْدأون في النهوضِ، وكَأَنَّهُم يُمارِسونَ طَقْسًا جَماعِيًّا، الإِيقاعُ فِيهِ هُوَ السَّيِّد، ولا مَفَرَّ مِنْ سَطْوَتِهِ

لا أستطيع القول إنى عشت مثل هذا الإحساس إلا عندما كنت أستمع لموسيقى الجاز
أتفق مع الأستاذة سامية فى أنه من الصعب وصف هذة الأحاسيس المتعلقة خصوصا تلك الأحاسيس التى تنبعث من موسيقى الجاز و أحاسيس مستمعيها لأنى حاولت ذلك فى أحد المرات و فشلت فشل ذريع
لكنك وصفت الأحساس كما يجب أن يوصف
رغم اننى كنت أنتظر لحظة تصفيق المستمعين للمطربة بعد لحظة الصمت الأخيرة لكننى أدركت أننى المستمع فصفقت و رفعت القبعة إحتراما و تقديرا

16/6/06 00:21
 
  Anonymous Medo قال/قالت:

من أروع مايمكن أن يحدث لأى بشر أن يبدأ محايدا ثم ينحاز ومن ثم يدرك بعد فترة أنه صار جزءا مماانحاز له. وهو ما حدث مع الساردة التي قاومت التمايل مع الايقاع والتجاوب مع الصراخ طويلا ثم انحازت في نهاية المطاف. اما اللغة التي صيغت بها هذه القصة القصيرة فقد أبت الانحياز وظلت محايدة ممتنعة لتضيف مسحة من الجلال الى المشهد المقتنص على خلفية ذاكرة المقهورين المترعة بصور الظلم والشوق الى العدل والانعتاق، وهو ماتمثله - في رأيي- موسيقي (البلوز). صوت ادبي رفيع وموهبة مرتفعة الهامة تستدعي رصانة الكبار وبساطتهم. اتطلع الي المزيد.

17/6/06 18:23
 

إرسال تعليق

أول الشارع >>